Laamraniالدار البيضاء · باريس · مونتريال
→ المنشورات
تحليلات ومنشورات · التأمين وإعادة التأمين

التحكيم في إعادة التأمين بلندن: قواعد ARIAS UK ونقابات اللويدز — قراءة من منظور مغربي

نادراً ما تفصل المحاكم الوطنية في منازعات إعادة التأمين. فمنذ ما يزيد على قرن، دأبت سوق لندن — وهي أكبر تجمّع لطاقات إعادة التأمين في العالم — على تسوية خلافاتها بعيداً عن الأضواء، أمام محكّمين ينحدرون من السوق ذاتها. وقد أفضى ذلك إلى رصيد من الممارسة يكاد يخفى على من هم خارجها: فالمقررات التحكيمية سرية، والسوابق تتداول بصورة غير رسمية، والإطار الناظم، المتجسد اليوم في قواعد التحكيم الصادرة عن ARIAS (UK)، لا يعرفه في الغالب إلا الممارسون.

يشرح هذا المقال كيفية اشتغال التحكيم في إعادة التأمين بلندن، مع عناية خاصة بمسألة كثيراً ما تحيّر المؤمِّنين المُسنِدين والمستشارين القادمين من أنظمة القانون المدني: ماذا يحدث حين لا يكون الطرف المتعاقد الآخر شركةً أصلاً، بل نقابةً من نقابات اللويدز (Lloyd's)؟ ويُختتم بقراءة من منظور مغربي — كيف يتعامل المؤمِّن المُسنِد المغربي أو معيد التأمين الإفريقي مع هذا النظام، وكيف يُنفَّذ المقرر التحكيمي الصادر بلندن في المغرب.

أولاً – سوق لندن وتفضيل التحكيم

إعادة التأمين نشاطٌ يجري بين مهنيين يتوقعون أن يتعاملوا فيما بينهم مجدداً. وهذه الحقيقة وحدها تفسّر معظم ما سيأتي. فالمؤمِّن المُسنِد ومعيد التأمين المتنازعان حول سنة اكتتاب معينة من اتفاقية ما، يظلان عادةً شريكين في السنة الموالية؛ ولا يرغب أيٌّ منهما في حكم علني، ولا في استجواب مضاد عدائي لمكتتبيه، ولا في سابقة تُلزمه في بقية محفظته. ويوفّر التحكيم ما لا تستطيع المحاكم توفيره: السرية، وجهات فاصلة تدرك كيف توضع الأخطار وكيف تُسوّى المطالبات، والمرونة في حسم النزاع بالرجوع إلى أعراف السوق بدلاً من الصناعة القانونية الصارمة.

والممارسة عريقة. فاتفاقيات إعادة التأمين المبرمة في لندن تتضمن شروط التحكيم منذ القرن التاسع عشر، والصيغ النموذجية المعتمدة في السوق — بما فيها شروط لجنة تجاوز الخسارة المشتركة (JELC) المستعملة في اتفاقيات تجاوز الخسارة (excess of loss) — تنص جميعها على التحكيم في لندن. ولمقر التحكيم أهميته: فالتحكيم الذي يكون مقره لندن يخضع لـArbitration Act 1996 (قانون التحكيم الإنجليزي لسنة 1996، بصيغته المعدّلة بـArbitration Act 2025)، الذي يمنح الأطراف استقلالية إجرائية واسعة، ويقيّد تدخل المحاكم تقييداً صارماً، ويُفضي إلى مقرر تحكيمي قابل للتنفيذ في نحو 170 دولة بموجب اتفاقية نيويورك لسنة 1958.

ويترتب على ذلك أمران بالنسبة لكل من يقدّم المشورة بشأن اتفاقية مبرمة في سوق لندن. أولهما أن مشهد تسوية المنازعات خاص بالكامل تقريباً: فلا توجد قاعدة بيانات للمقررات التحكيمية في إعادة التأمين، والقرارات القضائية القليلة المنشورة لا تصدر إلا في طلبات تابعة للتحكيم — تعيين المحكّمين أو تنحيتهم، والطعن في المقررات التحكيمية، وأوامر منع التقاضي (anti-suit injunctions). وثانيهما أن الخبرة في هذا الميدان يحوزها مجتمع محدود نسبياً من محكّمي السوق والمحامين الاستشاريين (solicitors) والمحامين المترافعين (barristers) المتخصصين، وأن الحاضنة المؤسسية لهذا المجتمع هي ARIAS (UK).

ثانياً – إطار ARIAS (UK)

ARIAS (UK) — جمعية التحكيم في التأمين وإعادة التأمين التابعة للجمعية الدولية لقانون التأمين (AIDA) — هي الهيئة المتخصصة في سوق لندن في مجال التحكيم في التأمين وإعادة التأمين. وهي ليست مؤسسة إدارة للتحكيم بالمعنى الذي ينطبق على ICC أو LCIA: فتحكيمات ARIAS هي في جوهرها إجراءات تحكيم حرّ (ad hoc) تجري وفق قواعد التحكيم الصادرة عن ARIAS (UK) (الطبعة الثالثة، 2014)، ولا تتدخل الجمعية أساساً إلا بصفتها سلطة تعيين حين تتعثر الآلية التي اتفق عليها الأطراف. كما تنشر ARIAS شروط تحكيم نموذجية، وإجراءً معجّلاً (Fast Track) للمنازعات الأقل قيمة، وتمسك قائمة بالمحكّمين المنحدرين من السوق. وتوجد هيئات شقيقة في الولايات المتحدة (ARIAS·US) وفي أوروبا القارية (ARIAS Europe).

تشكيل الهيئة التحكيمية. للأطراف حرية الاتفاق على عدد المحكّمين ومؤهلاتهم (القاعدة 6.1). وعند انعدام الاتفاق، تتألف الهيئة التحكيمية من ثلاثة محكّمين: يعيّن كل طرف محكّماً، ويعيّن المحكّمان المعيَّنان من الطرفين المحكّمَ الثالث، الذي يتولى الرئاسة لا دور المحكّم المرجِّح (umpire) (القاعدة 6.2). والسمة المميزة للسوق هي شرط المؤهلات: إذ يتعين أن يكون المحكّمون أشخاصاً — بمن فيهم المتقاعدون — لهم خبرة لا تقل عن عشر سنوات في التأمين أو إعادة التأمين داخل القطاع، أو بصفتهم محامين أو مستشارين مهنيين آخرين في خدمة القطاع. وقد كان نطاق هذا الشرط نفسه موضوع تحكيم وتقاضٍ: ففي قضية Allianz Insurance plc v Tonicstar Ltd [2018] EWCA Civ 434، قضت محكمة الاستئناف (Court of Appeal) بأن محامياً مترافعاً (barrister) مارس قانون التأمين وإعادة التأمين لأكثر من عشر سنوات يستوفي شرط «خبرة عشر سنوات في التأمين أو إعادة التأمين»، متراجعةً بذلك عن اتجاه مخالف استقر سبع عشرة سنة. وقد عُدّلت شروط JELC ابتداءً من فاتح يناير 2018 للتنصيص على هذا الموقف صراحةً.

المسطرة. المسطرة مقتضبة عن قصد. فلا توجد إدارة مؤسسية للقضية؛ إذ تحدد الهيئة التحكيمية الجدول الزمني، وتُتبادل المذكرات الكتابية مرفقةً بالمستندات، ويكون الإلزام بالكشف عن الوثائق أضيق مما هو عليه في التقاضي الإنجليزي، وتكون الجلسات قصيرة قياساً بمعايير المحاكم، مع اعتماد كبير على شهود الاكتتاب وتسوية المطالبات وعلى خبرة السوق. والسرية مفترضة ضمنياً بحكم القانون الإنجليزي، وتعززها القواعد.

شرط الالتزام الشرفي. أبرز ما يميز التحكيم في إعادة التأمين هو الشرط — الذي تتوقعه القاعدة 17.1.3 من قواعد ARIAS والمعتمد في الصيغ النموذجية للسوق — الذي ينص على أن يفسّر المحكّمون العقد بوصفه التزاماً شرفياً (honourable engagement) لا مجرد التزام قانوني، وألا يتقيدوا بالقواعد الصارمة للقانون أو الإثبات. والغاية منه تمكين الهيئة التحكيمية من إعمال القصد التجاري للاتفاقية ومن إعمال أعراف السوق وممارساتها، بدلاً من إهدار ذلك القصد بسبب مسألة صياغة. ويُعمِل القانون الإنجليزي هذه الشروط استناداً إلى المادة 46(1)(b) من Arbitration Act 1996، التي تجيز للهيئة التحكيمية أن تفصل «وفقاً لما قد يتفق عليه الأطراف من اعتبارات أخرى». وأقرب ما يقابل ذلك لدى رجل القانون المدني هو الصلح بالتراضي / التحكيم بالصلح (amiable composition) — غير أنه محصور في حدود الغاية التجارية للاتفاقية ذاتها، وليس رخصةً للفصل بمحض الإنصاف.

ثالثاً – التحكيم مع نقابة من نقابات اللويدز

يُكتتب قسط وافر من إعادة التأمين التي تحمي المؤمِّنين المُسنِدين في إفريقيا والشرق الأوسط لدى اللويدز (Lloyd's). غير أن «اللويدز» ليست شركة تأمين، والنقابة (syndicate) ليست شخصاً اعتبارياً — وهي مسألة ذات آثار إجرائية حقيقية كثيراً ما تغيب عن المستشارين من خارج لندن.

ماهية النقابة. اللويدز سوقٌ منظمة بموجب قوانين اللويدز (Lloyd's Acts) الصادرة بين سنتي 1871 و1982، يقبل فيها مقدّمو رؤوس الأموال — وهم الأعضاء، وأغلبهم اليوم من الأشخاص الاعتبارية — تحمّل الأخطار عن طريق النقابات. والنقابة ليست سوى مجموعة الأعضاء الذين يكتتبون عبر قناة معينة عن سنة اكتتاب محاسبية معينة (year of account)؛ ولا تتمتع بأي شخصية معنوية. ويتولى تسيير النشاط وكيلٌ مسيِّر (managing agent)، وهو شركة مرخّص لها من قبل اللويدز، يكتتب مكتتبُها النشِط (active underwriter) الأخطارَ نيابةً عن الأعضاء. وتشكّل كل سنة اكتتاب محاسبية مشروعاً مستقلاً، يُقفل تقليدياً بعد ثلاث سنوات بواسطة إعادة التأمين للإقفال (RITC)، التي تتحمل بمقتضاها سنةٌ لاحقة — أو، على نحو متزايد، جهةٌ متخصصة في المحافظ الموروثة (legacy carrier) — التزاماتِ السنة السابقة.

من هو الطرف في التحكيم؟ يُبرم عقد إعادة التأمين مع أعضاء النقابة عن سنة الاكتتاب المحاسبية المعنية، على وجه الانفراد لا التضامن، كلٌّ في حدود حصته. وعملياً، تُرفع الدعوى في مواجهة مكتتب ممثِّل — المكتتب الرئيسي أو المكتتب النشِط «لفائدة ونيابةً عن» الأعضاء المكتتبين — يُحدَّد انطلاقاً من وثيقة الاكتتاب (slip) أو عقد إصلاح السوق (market reform contract). وتترتب على ذلك ثلاث قواعد عملية. أولاها، تحديد سنة الاكتتاب المحاسبية الصحيحة: فخسارة سنة 2019 تُرتّب مسؤولية أعضاء سنة 2019، وقد يختلفون عن أعضاء سنة 2024. ثانيتها، أنه حين تقع إعادة التأمين للإقفال (RITC)، قد يكون المدعى عليه من الناحية الاقتصادية معيدَ تأمين متخصصاً في المحافظ الموروثة، وإن ظل الطرفُ المتعاقد هم الأعضاء الأصليون. ثالثتها، أنه حين تكتتب عدة نقابات في الاتفاقية ذاتها، يشكّل كل اكتتاب عقداً مستقلاً: فقد يجد المدعي نفسه أمام تحكيمات متوازية ما لم يُتفق على ضمّها، ولهذا تشجّع شروط السوق وإطار ARIAS على اعتماد هيئات تحكيمية مشتركة للمكتتبين التابعين (followers).

التبليغ والتمثيل. تُبلَّغ إشعارات التحكيم إلى الوكيل المسيِّر، ويتولى الدفاع في المطالبات عملياً فريقُ المطالبات لدى الوكيل المسيِّر، بواسطة محامين استشاريين في لندن يُكلّفون محامين مترافعين متخصصين. أما رأس المال الذي يقف وراء النقابة فلا يظهر أبداً.

التنفيذ. يُنفَّذ المقرر التحكيمي الصادر ضد الأعضاء المكتتبين كأي مقرر تحكيمي إنجليزي آخر. ويجد المدعي الأجنبي طمأنينته العملية في سلسلة الضمانات لدى اللويدز: إذ تقف أموال الأعضاء المودعة لدى اللويدز (Funds at Lloyd's)، وفي نهاية المطاف الصندوق المركزي (Central Fund)، وراء المطالبات الصحيحة، بحيث قلّما يُنازع في التنفيذ ضد نقابة مليئة متى صار المقرر التحكيمي نهائياً. وحين يلزم التنفيذ في الخارج، ينتقل المقرر التحكيمي بموجب اتفاقية نيويورك باسم الأعضاء أو باسم مكتتبهم الممثِّل — وصياغة عنوان الدعوى منذ البداية هي التي تحدد مدى سلاسة ذلك الاعتراف.

رابعاً – المنظور المغربي

يلاقي المؤمِّنون المُسنِدون المغاربة، ومعيدو التأمين الأفارقة عموماً، التحكيمَ اللندني من جهتين: بصفتهم مدّعين يسعون إلى استرداد مستحقات إعادة التأمين، وبصفتهم مدّعى عليهم حين ينازع معيد التأمين في تجميع الخسائر، أو في التأخر في الإخطار، أو في تطبيق شرط التعاون في تسوية المطالبات. وثمة ثلاث نقاط جديرة بالتأكيد.

يجب أن تُقرأ الاتفاقية كما تقرؤها السوق. تُفسَّر اتفاقيات إعادة التأمين المبرمة في لندن من قِبل هيئات تحكيمية متشبعة بممارسات السوق — شرط اتباع التسويات (follow the settlements) وشرط اتباع المصير (follow the fortunes)، وقرينة التطابق التام للتغطية (back-to-back) في الاتفاقيات النسبية، وتجميع الخسائر بحسب «الحدث» (event) أو «السبب الأصلي» (originating cause)، والالتزام الشرفي. والمؤمِّن المُسنِد الذي يقارب النزاع من زاوية قانونه المدني الوطني وحده، دون إدراك لكيفية تطبيق هذه المفاهيم فعلياً من قِبل الهيئات التحكيمية في لندن، ينطلق من وضع غير مواتٍ بنيوياً. وتظل الطبيعة القانونية لاتفاقية إعادة التأمين ذاتها — بوصفها عقداً من طبيعة خاصة (sui generis)، متميزاً عن التأمين الأصلي الذي تحميه — نقطةَ الانطلاق التي لا غنى عنها في أي تحليل للتغطية.

المغرب بلدُ تنفيذٍ مواتٍ للتحكيم. المغرب طرف في اتفاقية نيويورك منذ سنة 1959، ويوفّر القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية (2022) اليوم إطاراً حديثاً ومستقلاً بذاته. ويُعترف بالمقرر التحكيمي الصادر بلندن في المغرب عن طريق تذييله بالصيغة التنفيذية من قِبل رئيس المحكمة المختصة؛ وتنحصر الرقابة في الأسباب المألوفة في المادة الخامسة من الاتفاقية — صحة اتفاق التحكيم، واحترام حقوق الدفاع، وحدود المهمة، والنظام العام — دون أي مراجعة للموضوع. وتظل سرية التحكيم الأصلي قائمة عملياً في مرحلة التنفيذ، إذ لا يُدلى إلا بالمقرر التحكيمي واتفاق التحكيم.

الوجهة إفريقية. تعمل الدار البيضاء على ترسيخ مكانتها مركزاً مالياً وقانونياً إقليمياً، وتتنامى الإسنادات الإفريقية نحو سوق لندن والأسواق القارية. وستتبع المنازعاتُ الأقساطَ. والتغطيات الأصلية متنوعة بتنوع السوق ذاتها — التأمين البحري والنقل، وبرامج الممتلكات والكوارث الطبيعية، والهندسة والطاقة، والخطوط المالية — ويطرح كلٌّ منها مسائله الخاصة في القانون المحلي. وليست المسؤولية المدنية سوى شريحة واحدة من المحفظة المعاد تأمينها، لكنها تقدّم مثالاً معبّراً: فمسؤولية المؤمَّن له بموجب الفصول 77 و85 و88 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي كثيراً ما تكون مفترضة لا قائمة على الخطأ، على نحو يفاجئ الأسواق الأجنبية. وبالنسبة لمعيدي التأمين الذين يكتتبون أخطاراً مغربية وإفريقية، فإن التركيبة الحاسمة هي ذلك التحليل الدقيق، فرعاً فرعاً، للخطر الأصلي وفق القانون المحلي، مقروناً بإلمام حقيقي بممارسة التحكيم اللندني على مستوى طبقة إعادة التأمين. وقليلٌ هم الممارسون الذين يقفون على ضفتي هذا الجسر معاً.

خاتمة

التحكيم في إعادة التأمين بلندن نظامٌ بنته السوق، ولخدمة السوق: محكّمون متخصصون، ومسطرة مقتضبة، والتزام شرفي، و— حين تكون طاقة اللويدز معنية — طرفٌ متعاقد تستلزم هويته ذاتها معالجة دقيقة. وبالنسبة للمؤمِّنين المُسنِدين ومعيدي التأمين العاملين بين إفريقيا ولندن، فإن المهارة الحاسمة هي ازدواجية اللغة بمعناها الواسع: إتقان أعراف سوق لندن، وإتقان القانون الذي يحكم الخطر الأصلي. فالمنازعات تُكسب أو تُخسر عند نقطة التقائهما.

بقلم الدكتور عبد اللطيف العمراني، الشريك المؤسس والمدير، مكتب العمراني للمحاماة — الدار البيضاء · باريس · مونتريال. مؤلف مقال « La nature juridique du traité de réassurance »، The MENA Business Law Review (LexisNexis)، 2018/3، وكتاب Droit bancaire marocain (LexisNexis، 2023).